فخر الدين الرازي
32
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب : أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان في الجملة أنها شبهة كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة آكد ووقوعه في العمل أكمل فكأنه تعالى لما قال : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ قال : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ فإن هذا مما يؤكد قولك لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فحينئذ يعظم اشتياقك إلى الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة ، ثم قال بعده وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فرأى الحمار صار رميماً وعظاماً نخرة فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى ، فإن الطعام والشراب يسرع التغير فيهما ، والحمار ربما بقي دهراً طويلًا وزماناً عظيماً ، فرأى ما لا يبقى باقياً ، وهو الطعام والشراب ، وما يبقى غير باق وهو العظام ، فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى ، وتمكن وقوع هذه الحجة في عقله وفي قلبه . السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر الطعام والشراب ، وقوله لَمْ يَتَسَنَّهْ راجع إلى الشراب لا إلى الطعام . والجواب : كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير ، كذلك يوصف الطعام بأنه لم يتغير ، لا سيما إذا كان الطعام لطيفاً يتسارع الفساد إليه ، والمروي أن طعامه كان التين والعنب ، وشرابه كان عصير العنب واللبن ، وفي قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه وانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن . أما قوله تعالى : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فالمعنى أنه عرف طول مدة موته بأن شاهد عظام حماره نخرة رميمة ، وهذا في الحقيقة لا يدل بذاته ، لأنه لما شاهد انقلاب العظام النخرة حياً في الحال علم أن القادر على ذلك قادر على أن يميت الحمار في الحال ويجعل عظامه رميمة نخرة في الحال ، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طول مدة الموت ، بل انقلاب عظام الحمار إلى الحياة معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ قال الضحاك : معنى قوله أنه لما أحيى بعد الموت كان دليلًا على صحة البعث ، وقال غيره : كان آية لأن اللّه تعالى أحياه شابا أسود الرأس ، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والرؤوس . أما قوله تعالى : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فقد بينا أن المراد منه التشريف والتعظيم والوعد بالدرجة العالية في الدين والدنيا ، وذلك لا يليق بمن مات على الكفر والشك في قدرة اللّه تعالى . فإن قيل : ما فائدة الواو في قوله وَلِنَجْعَلَكَ قلنا : قال الفرّاء : دخلت الواو لأنه فعل بعدها مضمر ، لأنه لو قال : وانظر إلى حمارك لنجعلك آية ، كان النظر إلى الحمار شرطاً ، وجعله آية جزاء ، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام ، أما لما قال : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً كان المعنى : ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء ، ومثله قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ [ الأنعام : 105 ] والمعنى : وليقولوا درست صرفنا الآيات وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ الأنعام : 75 ] أي ونريه الملكوت . أما قوله تعالى : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره ، فإن اللام فيه بدل الكناية ، وقال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه ، قالوا : إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه ، وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة ، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض ، وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه حين كان حياً لم يأكل ولم يشرب مائة عام ، وتقدير الكلام على هذا الوجه : وانظر إلى عظامك ، وهذا قول قتادة والربيع وابن زيد ، وهو عندي ضعيف لوجوه أحدها : أن قوله لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ إنما يليق